كامل إدريس... هل هو الرجل المناسب لقيادة شعبٍ مرهق؟
مقدمة
في ظل التغيرات السياسية الحرجة التي يشهدها السودان، شكّل تعيين الدكتور كامل إدريس رئيسًا لمجلس الوزراء حدثًا لافتًا استدعى اهتمام الرأي العام المحلي والدولي. ومع الإشادة الواسعة بسيرته الذاتية الدولية، يظل السؤال المركزي المطروح: هل يستطيع إدريس أن يقود شعبًا مثقلًا بالأزمات والمعاناة اليومية؟ وهل تمكّنه خلفيته وخبراته الأممية من تفكيك واقع معقد كواقع السودان الراهن؟
أولًا: فجوة الواقع والمعرفة.
إن الدكتور إدريس عاش ما يقارب 46 عامًا خارج السودان، في بيئات متقدمة من حيث الإدارة والخدمات والحقوق المدنية، وخاصة في أوروبا والولايات المتحدة. هذه الفترة الطويلة في الخارج قد تكون نعمة من حيث التأهيل الأكاديمي والخبرة الدولية، لكنها في ذات الوقت تمثل فجوة في المعرفة اليومية بواقع المواطن السوداني، الذي يعيش أزمات مزمنة في المأكل والمشرب والرعاية الصحية والتعليم[1].
يشير الباحث الاجتماعي عبد الرحيم عمر إلى أن "الخبرة الدولية لا تُترجم بالضرورة إلى فهم للواقع المحلي، ما لم تكن مصحوبة باحتكاك مباشر وطويل الأمد مع المجتمع المعني" [2].
ثانيًا: التجربة الدولية – رصيد أم عائق؟
لا يمكن إنكار أن كامل إدريس يمتلك تجربة دولية معتبرة، خصوصًا من خلال قيادته للمنظمة العالمية للملكية الفكرية (WIPO) من 1997 إلى 2008. وهي تجربة تمنحه فهمًا للعلاقات الدولية، وآليات صنع القرار في المنظمات متعددة الأطراف، وهو ما يحتاجه السودان بشدة في هذه المرحلة[3].
لكن السؤال الجوهري هو: هل تصلح هذه التجربة كأداة لحل إشكالات داخلية تتعلق بالخدمات الأساسية، وهياكل الحكم المحلي، ومشكلات النزاعات، والتنوع الإثني والثقافي؟ الواقع يؤكد أن السودان يحتاج إلى قائد ميداني، بقدر ما يحتاج إلى مفاوض دولي.
ثالثًا: هل يفهم إدريس نبض الشعب؟
القائد الحقيقي لا يُقاس بما أنجزه خارج حدود بلاده، بل بقدرته على فهم الناس، ومخاطبتهم بلغتهم، واستيعاب تعقيدات واقعهم. السوداني اليوم لا يحتاج إلى محاضرات عن الاقتصاد العالمي، بل إلى خبز ودواء وتعليم، وأمن وعدالة اجتماعية.
وهو ما يجعل تعيين إدريس تحديًا حقيقيًا: فإن لم يستطع إعادة ربط نفسه بالوجدان الشعبي، وتجاوز الحواجز الاجتماعية والثقافية التي نشأت نتيجة غيابه الطويل، فسيظل في نظر الناس "غريبًا عن قضاياهم"[4].
خاتمة
تعيين الدكتور كامل إدريس يمثل اختبارًا حقيقيًا لنموذج "القائد الدولي في السياق المحلي". وقد ينجح الرجل في هذا التحدي إن أدرك أن الشرعية الحقيقية لا تُستمد من المنظمات الدولية، بل من القدرة على خدمة الناس والإنصات إليهم، وتحقيق ما يمكن تحقيقه من تطلعاتهم في ظروف بالغة الصعوبة.
وفي النهاية، فإن ما سيحكم على نجاحه ليس سيرته الذاتية، بل ما سيُنجز على أرض الواقع خلال فترة تكليفه.
المراجع:
[1] محمد الحسن، القيادة في زمن الأزمات: دراسة حالة السودان، مركز الدراسات المستقبلية، الخرطوم، 2022.
[2] عبد الرحيم عمر، "الخبرة الدولية والفجوة المحلية: تحديات التوطين السياسي في السودان"، مجلة الدراسات الاجتماعية الإفريقية، العدد 19، 2023.
[3] World Intellectual Property Organization (WIPO). “Profile of Dr. Kamil Idris.” https://www.wipo.int
[4] يوسف الطيب محمد توم، "الشرعية السياسية في النظم الانتقالية"، مجلة الفكر السياسي المعاصر، العدد 12، 2021.
بقلم: البروفيسور بله أحمد بلال أحمد
أستاذ علم المعلومات – جامعة السودان المفتوحة